المبحث الأول:

بعض الآثار التربوية لسورة لقمان في مادة التربية الإسلامية بالسنة الأولى إعدادي

الفصل الثاني: أثر دعامة القرآن في مادة التربية الإسلامية بالسنة الأولى إعدادي من خلال سورة لقمان:

اشتمل هذا الفصل في مباحثه على أثر دعامة القرآن في مادة التربية الإسلامية من خلال سورة لقمان، انطلاقا من أن القرآن الكريم له آثار عظيمة على التربية، سواء على مستوى التربوي المعرفي أوعلى المستوى المنهجي أو على المستوى المهاراتي أو على المستوى الوجداني.

فماهي آثار دعامة القرآن في مادة التربية الإسلامية بالسنة الأولى إعدادي من خلال سورة لقمان؟

المبحث الأول: بعض الآثار التربوية لسورة لقمان في التربية الإسلامية:

تعتبر دعامة القرآن الكريم أساسا لمادة التربية الإسلامية؛ إذهي الأصل الذي تنبني عليه وحدات التربية الإسلامية في قضاياها، ومضامينها، وكفاياتها المستهدفة سواء ارتبط ذلك بالكفايات المعرفية، أوالمهارية، أو الوجدانية، وبناء على أن من خصائص التربية الإسلامية كونها ربانية، ومقتضاه كونها ربانية المصدر، وربانية الوجهة؛ لأن أصلها الوحيان القرآن والسنة، والذي يعنينا منهما في هذاالبحث دعامة القرآن للسنة الأولى إعدادي، والمقرر في ذلك سورة لقمان، وسميت هذه السورة بسورة لقمان، وتسميتها بذلك لذكر لقمان فيها، وذكر قصته مع ابنه في التربية، وكان لقمان عبدا صالحا آتاه الله الحكمة، وعلمه الصواب، ومن هذا المنطلق ترشد السورة إلى أسس تربرية لابد من مراعاتها في كل عملية تربوية، ومنها:

أولا: استحضار الحكمة في تخطيط الفعل التربوي وتدبيره:

افتتحت سورة لقمان بالحروف المقطعة التي يوجز المفسرون تفسيرها في قولهم:”الله أعلم بمراده بذلك “1، وفي ذلك من الحكمة رد مالايعلم إلى العالم به، ثم أشيرفي هذا المطلع باسم الإشارة الدال على علو المكانة، وسمو المنزلة إلى آيات الكتاب الذي وصف بالحكيم، ويلزم من هذا الوصف أن منزله متصف بالحكمة في أفعاله وأقواله، وقد وصف الله نفسه بذلك في هذه السورة بقوله:{وهو العزيز الحكيم}2، وقوله:{إن الله عزيز حكيم}3، ولاتصافه سبحانه بالحكمة دلالات، وهي أن من أسماء الله تعالى الحكيم، وأنه متصف بالحكمة، وأن لهذه الصفة آثاراً في آيات الكتاب المسطور، وهو القرآن الكريم، وهي المراد هنا، وآيات الكون المنظور، وهو المقصود بقوله: {سنريهم ءاياتنا في الافاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق}4، ومماتقتضيه تجليات حكمته في آياته القرآنية وآياته الكونية أن يتخلق العباد بالحكمة، ولهذا نوه الله بشأن لقمان الحكيم وبمااتصف به من الحكمة التي مقتضاها إصابة الصواب، والاهتداء بالحق، والإحسان في القول والعمل، والإيمان والعمل الصالح والشكر لله تعالى، وما تضمنته وصاياه، فكل ذلك تشتمل عليه الحكمة، ووصف الله آيات الكتاب بأنها هدى ورحمة، وذلك من مقتضى الحكمة، قال ابن ناصر السعدي:”من إحكامها، أنها جاءت بأجل الألفاظ وأفصحها، وأبينها، الدالة على أجل المعاني وأحسنها.

ومن إحكامها، أنها محفوظة من التغيير والتبديل، والزيادة والنقص، والتحريف.

ومن إحكامها: أن جميع ما فيها من الأخبار السابقة واللاحقة، والأمور الغيبية كلها، مطابقة للواقع، مطابق لها الواقع، لم يخالفها كتاب من الكتب الإلهية، ولم يخبر بخلافها، نبي من الأنبياء، ولم يأت ولن يأتي علم محسوس ولا معقول صحيح، يناقض ما دلت عليه.

ومن إحكامها: أنها ما أمرت بشيء، إلا وهو خالص المصلحة، أو راجحها، ولا نهت عن شيء، إلا وهو خالص المفسدة أو راجحها، وكثيرا ما يجمع بين الأمر بالشيء، مع ذكر حكمته فائدته، والنهي عن الشيء، مع ذكر مضرته.

ومن إحكامها: أنها جمعت بين الترغيب والترهيب، والوعظ البليغ، الذي تعتدل به النفوس الخيرة وتحتكم، فتعمل بالحزم.

ومن إحكامها: أنك تجد آياته المتكررة، كالقصص، والأحكام ونحوها، قد اتفقت كلها وتواطأت، فليس فيها تناقض، ولا اختلاف. فكلما ازداد بها البصير تدبرا، وأعمل فيها العقل تفكرا، انبهر عقله وذهل لبه من التوافق والتواطؤ، وجزم جزما لا يمترى فيه، أنه تنزيل من حكيم حميد”5

فالمربي الذي لايستحضر الهداية والرحمة للمحسنين في الفعل التربوي لايسمى حكيما، وفي هذا إشفاق على المسيئين من أجل أن يتخلصوا ويتطهروا من المساوئ والرذائل، فمقتضى الحكمة: وضع اللين في موطنه مقرونا بالهداية والرحمة، ووضع الشدة في موطنها المناسب مقرونة بالهداية والرحمة، ولقد نوه الله في القرآن بالحكمة في الشؤون التربوية في مقامات كان فيها القائمون بالتربية هم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ومن ذلك قوله تعالى: “رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ”6، وقوله: “هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الامِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ”7، وقوله: “كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ”8، وقوله تعالى: “لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ”9، وقوله تعالى:”فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا”10، فدلت هذه الآيات على أن الحكمة من منن الله على العباد، ولاتنال إلا بأسبابها، وذكر من ذلك الكثير عن لقمان ومنها: أنَّه كان عبدا صالحا عابدا لله تعالى من المقبلين على طاعة الله، حسنَ الصلة بالله تعالى، وذُكر قال الحافظ ابنُ كثير: “وكان رجلا صالحا ذا عبادة وعبارة وحكمة عظيمة ويقال كان قاضيا في زمن داود عليه السلام فالله أعلم”11،وعليه فالمربي معني ببذل الجهد في الأسباب النافعة التي تقرب إلى الله تعالى من الخير والفلاح وتجنب الشر، في هذا يقول عليه صلى الله عليه وسلم: “احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِالله”12، وإلى أسباب تحصيل الحكمة يرشد الله تعالى عباده بقوله مثنيا على المحسنين ومبينا أوصافهم فقال:”هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ”13 والحكمة العلم النافع والعمل الصالح ووضع الأمور مواضعها بناء على مقتضى هذا العلم.

ثانيا: ضرورة إعداد المربي الحكيم:

الذي يضع كل شيء في محقه الذي يستحقه، وبذلك يكون قادرا على تحقيق الكفايات المطلوبة في كل عملية تربوية، وهذا يتطلب أمورا منها:

تعريف المتعلمين بالمربي قبل قيامه بعملية التربية؛ لأن لعلمهم بمرتبته ومكانته أثرا كبيرا في نفوسهم، ولهذا سميت السورة بهذا الاسم، وذكر اسم لقمان فيها مقرونا بالحكمة التي آتاه الله، وأساسها تحقيق الشكر لله تعالى بالقلب واللسان والجوارح، وتحقيقه لذلك يجعله مهيئا للقيام برسالة التربية التي هي رسالة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.

اختيار المربي الذي يقرن بين التربية والتزكية الموصوف بالحكمة والتؤدة والصبر والتحمل؛ لأن المهمة صعبة، ومن هنا تكون السلطة الوصية على التربية أمام مسؤولية جسيمة جدا في الاختيار ولا تقل شأنا عنها مسؤولية المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، وسائر المسؤولين عن الشأن التربوي، فقضية اختيار المربي قضية تربوية ذات أهمية بالغة، وقد اعتنى الناس قديما وحديثا بشأن المربين، وهذا الاختيا منهج رباني، فقد اختار الله الأنبياء والرسل من الناس؛ لأنهم أحقهم بالقيام بتربية الخلق وتزكيتهم ودعوتهم إلى الله تعالى، وقد أرشد الله تعالى في هذا السياق إلى أهمية منهج الاختيار فقال:{الله أعلم حيث يجعل رسالاته}14، نزلت هذه الآية للإنكار على بعض أهل مكة الذين استنكروا نزول القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم دون كبرائهم، فأنزل الله هذا الخطاب مبينا أنه تعالى لا يختار من الناس لتربية عباده إلا من كان أهلا لذلك، وفي هذا قال أبو حيان الأندلسي:”هذا استئناف إنكار عليهم، وأنه تعالى لا يصطفي للرسالة إلا من علم أنه يصلح لها، وهو أعلم بالجهة التي يضعها فيها، وقد وضعها فيمن اختاره لها، وهو رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم دون أكابر مكة كأبي جهل والوليد بن المغيرة ونحوهما”15، وقال في شأن المرسلين أيضا الذين هم خير قدوة للمربين فقال:{الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس}16، وقال: {إن الله اصطفى آدم ونوحا وءال إبراهيم وءال عمران على العالمين}17، وقال في شأن إبراهيم عليه السلام:{ولقد اصطفيناه في الدنيا} 18 وقال في شأن موسى عليه السلام: {إنى اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي}19، وقال في شأن ابراهيم وإسحاق ويعقوب عليم السلام:{ واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولى الأيدى والابصار إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار وإنهم عندنا لمن المصطفين الاخيار}20، قال الفخر الرازي:” فكل هذه الآيات دالة على كونهم موصوفين بالاصطفاء والخيرية”21، والاصطفاء والخيرية يقتضيان أن المصطفى والمختار أهل لما اصطفي واختير له.

أهمية تعظيم المربين واحترامهم في نفوس متعلميهم، والنظر إليهم نظر احترام وتقدير، فعلى الآباء وأولياء التلميذ أن يغرسوا في قلوب أبنائهم محبة المربين والمعلمين والأساتذة، وهذه أيضا مسؤولية الجهات الوصية من وزارة، وغيرها، فالنظر إلى المدرس نظر احتقار من جهة الآباء والمسؤولين يحمل التلاميذ على عدم احترامه وتقديره، وذلك أدعى لعدم انتفاعهم بعلمه، وتربيته، وأخلاقه.

ينبغي للمربي أن ينظر إلى التلميذ على أنه بمنزلة الابن له، ولو على سبيل استحضار البنوة الأدبية حتى يأنسوا به ويأخذوا من أخلاقه، فلقول لقمان الحكيم لابنه:”يابني” دلالة تربوية عظيمة جدا يجدر بالمربين والمدرسين الاعتناء بها، فهو نداء بالبنوة بأسلوب التصغير يفيض حنانا وعطفا ورحمة وشفقة وتحببا، ولاريب أن ذلك من أحق ما يتصف به المربون الناجحون، وهو الذي يجعل الأستاذ مؤثرا في الأجيال من تلميذاته وتلاميذه، فلابد للمربي في تربيته من القرن بين التعليم والرحمة في أفعاله التربوية ويرشد إلى هذا قوله تعالى في سياق وصف آيات الكتاب في بداية السورة “هدى ورحمة للمحسنين”، وفي كون المربي يجمع بين عنصري التعليم والرحمة في تربيته للأجيال اقتداء الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وهم خير من قام بالتربية حق قيام، فقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: “فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر”22

ثالثا: إرشاد المتعلمين إلى طريق السعداء وتجنيبهم طريق الأشقياء:

تحصيل السعادة في هذه الدنيا والفلاح في الأخرى مطلب شرعي دعا إليه القرآن الكريم وأرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم، والناس في تحصيل السعادة وتحقيق الطمأنينة على صنفين:

الصنف الأول: الذين طلبوا السعادة وحصلوها بالاهتداء بهداية آيات الكتاب فحققوا بذلك مرتبة الإحسان، فأقامو الصلاة وآتوا الزكاة، وأيقنوا بالآخرة وهم المقصود بقوله تعالى:{هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُوتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}23، قال ابن كثير في هذا الصنف:”وهم الذين أحسنوا العمل في اتباع الشريعة، فأقاموا الصلاة المفروضة بحدودها وأوقاتها، وما يتبعها من نوافل راتبة وغير راتبة، وآتوا الزكاة المفروضة عليهم إلى مستحقيها، ووصلوا أرحامهم وقراباتهم، وأيقنوا بالجزاء في الدار الآخرة، فرغبوا إلى الله في ثواب ذلك لم يراؤوا به، ولا أرادوا جزاء من الناس ولا شكوراً، فمن فعل ذلك كذلك ، فهو من الذين قال الله تعالى: {أُوْلَئِكَ عَلَىَ هُدًى مّن رّبّهِمْ} أي على بصيرة وبينة ومنهج واضح جلي {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، أي في الدنيا والآخرة”24

الصنف الثاني: الذين طلبوا السعادة بالباطل والإعراض عن هداية القرآن والإقبال على لهو الحديث لإضلال العباد عن سبيل الهداية والخير، وهذا الصنف هم الذين قال الله فيهم: “وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ اَلِيمٍ”25، فعلى المربي إرشاد المتعلمين إلى طريق الهداية، وذلك بتعريفهم بسير أهل الخير والصلاح، وحثهم على الرفقة الصالحة، ورفقاء الخير، وتحذيرهم من طرق الفساد والشر والانحراف، وأهلها، وتحذيرهم من رفقاء السوء ومستعملي المخدرات والمسكرات وغيرها من الرذائل الموجودة في المجتمع.

رابعا: تقديم الأولويات في الفعل التربوي:

وهذا الأصل ترشد إليه وصايا لقمان في قوله تعالى:” وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15) يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16) يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ”26

فقد اشتملت هذه الوصايا على القضايا الآيية وهي مرتبطة ارتباطا وثيقا بقضايا وحدات التربية الإسلامية ودلت على تقديم الأولى فالأولى في العمليات التربوية، وتجلية ذلك كالآتي:

قضية العقيدة وذلك بالنهي عن الشرك والتحذير منه، واعتباره ظلما عظيما، وفي هذا الأمر بالتوحيد الخالص والعقيدة السليمة، وذلك أصل العقيدة الإسلامية الصحيحة المأخوذة من القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، وفي هذه الوصية دلالة على أهمية تصحيح العقيدة وتثبيتها وترسيخها، ودل على ذلك تنويع الأساليب في قوله تعالى:” يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ”، وقضية العقيدة قضية السور المكية؛ لأن القرآن المكي يعالج غالبا الجانب العقدي عند الإنسان، وكان ذلك في سورة لقمان عبر جولات متنوعة، وهي:

الجولة الأولى: تقرر فيها السورة قضية اليقين بالآخرة وقضية العبادة لله، وعلاقتها بفلاح الإنسان، وهي في قوله تعالى:{وهم بالآخرة هم يوقنون أولئك على هذى من ربهم وأولئك هم المفلحون}.

الجولة الثانية: وصايا لقمان لابنه، فإنها تقرر قضية الاعتقاد الذي قررته الجولة الأولى، وفي هذا التقرير الربط بين حق الله تعالى وحقوق العباد، وأهمها حقوق الوالدان.

الجولة الثالثة: تعرض السورة لدلائل العقيدة في مجال السماوات والأرض، مصحوبة ببيان علاقة الإنسان بالسموات والارض وما فيها من نعم سخرها الله لناس وهم لا يشركون ولا يوحدونه، وفي هذا يقول الله تعالى: “ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة. ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير”.

الجولة الرابعة: وتبدأ الجولة الرابعة بمشهد كوني ذي إيقاع خاص في القلب البشري. مشهد الليل وهو يطول فيدخل في جسم النهار ويمتد النهار وهو يطول فيدخل في جسم الليل ويمتد ومشهد الشمس والقمر مسخرين في فلكيهما يجريان في حدود مرسومة إلى وقت لا يعلمه إلا خالقهما الخبير بهما وبالناس وبما يعملون: “ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى، وأن الله بما تعملون خبير” ويتخذ من هذا المشهد الكوني دليله إلى الفطرة على القضية المعهودة: “ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير” ويلمس القلوب بمؤثر آخر من نعمة الله على الناس في صورة الفلك التي تجري في البحر: “ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله ليريكم من آياته؟” ويعقب على هذا بوقفهم أمام منطق الفطرة حين تواجه هول البحر مجردة من غرور القدرة والعلم الذي يبعدها عن بارئها؛ ويتخذ من هذا المنطق دليلاً على قضية التوحيد: “وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين، فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد؛ وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور” 27

الأمر المؤكد بالإحسان للوالدين، والتذكير بحقوقهما على الأبناء، ومن حقوقهما التي أرشد إليها هذه الوصايا في هذا المقام شكرهما وحسن عشرتهما، وذلك في قوله تعالى: “وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ” ويستمد من هذه الوصية أن يكون المربي حريصا على تربية المتعلمين تربية أسرية واجتماعية، وفيه تربية على حفظ الحقوق، والاندماج في المجتمع الذي مبدؤه من الأسرة، مع تربيتهم على مراقبة الله تعالى في أداء هذه الحقوق.

العناية بتربية المتعلمين على الاقتداء بأهل الخير والصلاح مع تربيتهم أن السير منتهاه إلى الله تعالى وسيسأل كل عن عمله، وفي هذا ترسيخ لأصل الإيمان باليوم الآخر، وهذا ترشد إليه الوصية في قوله تعالى:” وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ”.

العناية بتربية المتعلمين على دوام مراقبة الله تعالى في كل الأحوال ظاهرها وباطنها سرها وعلانيتها لأنه العالم بجميع أحوال عباده، وهذا ترشد له الوصية في قوله تعالى:” يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ اَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الارْضِ يَاتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ”.

العناية بتربية المتعلمين على أداء الفرائض وتعليمهم ما يتصل بها من أحكام شرعية كتربيتهم على الصلاة والطهارة وغيرهما من الواجبات، وهذا أرشدت له الوصية في قوله تعالى:” يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ”، فالأمر بإقامة الصلاة يقتضي الأمر بالطهارة؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

العناية بتربية المتعلمين على أداء الواجبات الاجتماعية، ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يرشد إليهما الوصية في قوله تعالى: “وامر بالمعروف وانه عن المنكر”.

عناية المربي بتربية المتعلمين على الصبر، والصبر يكون بحبس النفس على طاعة الله وإلزامها بأداء أوامره، وحبس النفس عن المعصية والابتعاد عنها، وحبس النفس عن الجزع والتسخط من الأقدار التي يقدرها الله على الإنسان، وهذا الأصل ترشد له الوصية في قوله تعالى:” وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الامُورِ”.

عناية المربي بتربية المتعلمين على التواضع وعدم الإعجاب بالنفس؛ لأن الكبر والإعجاب بالنفس مرضان خطيران يضران صاحبهما أيما ضرر، ويمنعانه من التعلم والتربية، وهو الذي ترشد له الوصيتان في قوله تعالى:” وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الارْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ”.

خامسا: إرشادات في التواصل الفعال:

كل مرب كان أستاذا للتربية الإسلامية أولا في حاجة إلى أساليب التواصل الفعال التي تجعله قادرا على التفاعل مع تلاميذه على الوجه المطلوب، ومن أساليب التواصل الرموز اللفظية الواضحة الهادفة، وإذا تأملنا سورة لقمان نجدها حافلة بهذه الأساليب، خصوصا وصاياه، ومنها:

أن يستحضر المربي الجانب الوجداني عند المتعلم في تواصله معه، وهذا يرشد إليه قوله تعالى: “وهو يعظه”، فلابد من قرن التواصل في لتربية بالترغيب والتشويق والتحبيب والتحذير؛ لأن ذلك مقتضى الوعظ، ويكون ذلك محفوفا بالحكمة التي تجعل المربي يضع كل شيء في محله المناسب.

اختيار الألفاظ المحببة والمشوقة، وهذا يدل عليه قوله:”يابني”، فقد اشتمل هذا الأسلوب على النداء بالياء، وهو دال على نداء البعيد أو من في حكمه، لكن النداء هنا للتنبيه لكون المنادى قريبا والمقام مقام نصح، فهو أدعى لاستثمار الوسائل اللفظية المعينة على الإصغاء والانتباه، ونودي لفظ ابن بالتصغير للدلالة على إشعار المتعلم بالرحمة والشفقة والتحبب.

استعمال الرموز اللفظية المفهومة لدى المتعلمين فإن لقمان حينما تحدث عن الأصوات المرتفعة الكريهة شبهها بأصوات الحمير، وذلك لأن أصوات الحمير مفهومة للصغار، وكريهة ومزعجة، وفي التحذير من الشرك استعمل لفظ الظلم، ووصفه بأنه عظيم، وهو مفهوم بالفطرة، ومستقبح لدى الجميع، ثم بين بأن الشرك هو ظلم عظيم، وذلك؛ لأن الظلم اعتداء على الحقوق، وتجاوز عن الحدود، وصرف الحق عن أهله، وأن الشرك هو اعتداء على حق الخالق.

الاستدلال في توجيه الخطاب للمتعلمين وتعليله لهم حسب مستوياتهم، فقد علل لقمان للنهي عن الشرك فقال: “إن الشرك لظلم عظيم” وعلل للنهي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأمر بالصبر فقال: “إن ذلك لمن عزم الامور”، وعلل للنهي عن الكبر والعجب بقوله: “إن الله لا يحب كل مختال فخور”، وعلل للأمر بغض الصوت بقوله: “إن أنكر الاصوات لصوت الحمير”.

التربية بقاعدة الترغيب والترهيب الذي يقوم عليها الخطاب في القرآن الكريم وفي السنة النبوية وذلك لتربية المتعلمين على استحضار الخوف والرجاء في آن واحد.

بناء الشخصية القوية القادرة على البيان والافصاح لدى المتعلمين، وهذا دلت على هذه الوصايا.

الهوامش

1 تفسير الجلالين لجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي ، ص:2.
2 سورة لقمان، الآية: 8.
3 سورة لقمان، الآية:26.
4 سورة الشورى، الآية:52.
5 تيسير الكريم المنان في تفسير كلام المنان لعبد الرحمن بن ناصر السعدي، ص: 646.
6 سورة البقرة، الآية:130.
7 سورة الجمعة، الآية: 2.
8 سورة البقرة الآية: 150.
9 سورة آل عمران الآية:164.
10 سورة النساء الآية:53.
11 البداية والنهاية لابن كثير، 2/123.
12 صحيح الإمام مسلم بن الحجاج كتاب القدر، باب فى الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله.
13 سورة لقمان الآيات: 1 ــــ 5.
14 سورة الأنعام الآية : 125.
15 البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 4/204.
16 سورة سورة الحج الآية :73.
17 سورة آل عمران الآية 33.
18 سورة البقرة الآية:130.
19 سورة الآعراف الآية:144.
20 سورة ص الآية:46.
21 مفاتيح الغيب لفخر الدين الرازي 3/427.
22 سورة آل عمران الآية:159.
23 سورة لقمان، الآيات:1 ــــ 5.
24 تفسير القرآن العظيم لابن كثير 3/534.
25 سورة لقمان، الآيتان:6 ــــ 7.
26 سورة لقمان، الآيات 13 ـــ 19.
27 في ظلال القرآن لسيد قطب 6/ 1 ـــ 2. بتصرف.

 

Show Buttons
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Contact us
Hide Buttons