المبحث الثالث:

بعض الآثار المنهجية لسورة لقمان في مادة التربية الإسلامية

المبحث الثالث: بعض الآثار المنهجية لسورة لقمان في مادة التربية الإسلامية.

من المعلوم أن تدريس دعامة القرآن تقتضي استحضار ما يرتبط بتدريس القرآن الكريم، وخصوصا ما يتعلق بالمنهجية التي ينبغي العناية بها في تدريس الدعامة القرآنية، ولاريب أن المنهجية التي أرشد الله إليها رسوله أقوم الطرق وأحسن المسالك في تربية النشء بالقرآن الكريم، وذلك في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْامِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}1، فهذه الآية ترشد إلى منهجية متكاملة في التربية الإسلامية ويتجلى ذلك في الآتي:

أولا: تلاوة الآيات على الفئة المستهدفة، وتلاوتها بأنفسهم:

تعتبر التلاوة للآيات في التربية عملية ذات أهمية بالغة ولذا ينبغي القيام بها وفق أساليب تراعى في كل تلاوة وهي:

مراعاة العلوم المتعلقة بالقرآن، ومنها التعريف بالقرآن، وعلوم المكي والمدني وأسباب النزول، وجمع القرآن وترتيبه2، وأصول التفسير وقواعده ، وعلوم التجويد وقواعد التلاوة، وليس الغرض استفادة المربي مما كتبه الأولون في هذه العلوم، وإنما ينبغي تقريب بعض المفاهيم المتعلقة بهذه العلوم في حدود ما يناسب الفئة المستهدفة، فالتلاوة تشتمل ابتداء على القراءة المتقنة المؤثر التي تتوفر فيها ضوبط القراءة النموذجية، التي تربط المتعلم بالقرآن الكريم ليتهيأ للتعليم والتزكية، وبذلك يكون المربي قائما بالتلاوة على الوجه المطلوب في بعدها الأدائي والتجويدي من حيث النطق.

تحقيق الربط بين آيات القرآن والواقع الذي تعيشه الفئة المستهدفة، وهذا أسلوب الوحي المتدرج في النزول، ومن هذا المنطلق ينبغي لمدرسي مادة التربية الإسلامية الإفادة من علم أسباب النزول واستثمار هذه العلوم في منهجية تدريس المادة وربطها بواقع التلاميذ، وهو أيضا أسلوب نبوي جميل، ونقل السيوطي ما يدل على هذا الأسلوب في تلاوة الآيات في عهد الصحابة رضي الله عنهم فقال: عن القاسم بن عوف البكري قال سمعت عبد الله بن عمر يقول {لقد عشنا برهة من دهرنا وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد فنتعلم حلالها وحرامها، وما ينبغي أن يوقف عنده منها كما تتعلمون أنتم القرآن اليوم ولقد رأينا اليوم رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما آمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه}، قال النحاس فهذا الحديث يدل على أنهم كانوا يتعلمون الأوقاف كما يتعلمون القرآن.3

التكامل بين آيات الكتاب المسطور، وهو القرآن الكريم، وآيات الكون المنظور، وهي آيات الآفاق والأنفس، والربط بينهما في تدريس المادة، وهذا يحيي في عملية التدريس التكامل الخارجي بين مادة التربية الإسلامية، والمواد المعنية بتدريس آيات الكون والأنفس علوم الحياة والأرض وغيرها، وهذا التجدد في العلاقة بين آيات القرآن الكريم وآيات الكون دلت عليه سورة لقمان في مواقع عدة منها قوله تعالى:” أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً” وقوله: “أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ” وقوله تعالى: “أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ”، ودعا القرآن إلى هذا استحضار هذا الترابط بين هذه الآيات القرآنية والآيات الكونية، ومن ذلك قوله تعالى: “قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالارْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُومِنُونَ” 4، وقوله: “وفي أنفسكم أفلا تبصرون”5، ولاشك أن استحضار الترابط بين آيات القرآن وآيات الكون يكسب الفئة المستهدفة حلاوة الإيمان التي تثمر في نفوسهم الإيمان اليقيني الذي دعت إليه سورة لقمان في مطلعها في قوله تعالى: “وهم بالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون”، ويتحقق ذلك اليقين بناء على البراهين والشواهد التي تقدمها آيات الآفاق والأنفس أمام الأبصار وتوجه آيات القرآن البصائر للاعتبار، فيترتب على ذلك الإيمان اليقيني:

1-15

ثانيا: تزكية الفئة المستهدفة بتلاوة الآيات:

لابد من مراعاة هذا الأصل في تدريس دعامة القرآن، وهو تزكية النفوس في بعدها ا الإيجابي، فماهي التزكية بهذا البعد وماهي مراميها؟

عرفت التزكية بتعريفات متعددة:

2-15

المكونات الإنسانية التي تتوجه إليها التزكية:

تتوجه التزكية إلى المكونات الآتية وهي:

تزكية النفس لدى المتعلم، وهي أوسع مجالا يتوجه إليه القرآن الكريم بالهداية والإرشاد.

تزكية القدرات العقلية لدى المتعلم، وقد توجه إليها الخطاب القرآني بشكل كبير لتحقيق هذه التزكية؛ لأن القدرات العقلية يصيبها ما يصيب الجسد من صحة ومرض وموت ولذا قال النبي صلى الله علية وسلم:{ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألاوهي القلب}6، وللقدرات العقلية أهمية، فيستقيم بها الإنسان وينحرف بها أيضا ولبيان هذه الأهمية رسم ماجد عرسان الكيلاني هذه القدرات على هذا الشكل7:

11-15

ولذا فتزكية القدرات العقلية للمتعلمين بالقرآن تستوجب اعتماد هذه الضوابط8:

تزكية القدرات الإرادية لدى المتعلم:

الإرادة القوة الثانية للقلب بعد العقلية ويعنى بها المشيئة والاختيار9 الذين تبنى عليهما القرارات والسلوكات، فلابد من مراعاة هذا في تدريس دعامة القرآن، لتوجيه القدرات الإرادية نحو الأهداف الصحيحة، وذلك لأن إرادة المتعلم ترتبط بحاجاته المادية والمعنوية، فينبني على ذلك دوافع الشهوات، والحب والخوف والغضب، وهي ضرورية ومهمة، فينبغي للأستاذ استهدافها بالتزكية في تدريس دعامة القرآن، وذلك بتنظيم عملها لتتوجه نحو أهدافها الصحيحة التي خلقت من أجلها وتوضيح ذلك بالأشكال الآتية:

4-15

22-15

5-15

فإذا عدلت هذه الدوافع عن مسارها الصحيح، وأهدافها الشرعية حصل الخلل في القدرات الإرادية لدى المتعلم، ومن هنا منشأ الانحراف عند الإنسان، ووضح ذلك الدكتور ماجد الكيلاني 10 بالأشكال الآتية:

تزكية القدرات السمعية البصرية لدى المتعلم:

بعتبر السمع والبصر حاستان عظيمان جعلهما الله تعالى من أهم وسائل المعرفة؛ لأنهما المنفذ لوصول المعرفة للقلب ليعيها ويحفظها، وعليه فالاعتناء يهما في مادة التربية الإسلامية لازم، وخصوصا في دعامة القرآن؛ لأن تزكيتهما للمتعلم واجبة لتجنيبه منهج الذين ذمهم الله في سورة لقمان بقوله:” وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (6) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ”11

3-15

ويشمل منهج التزكية أشكالا أخرى من التزكية ينبغي استهدافها في تدريس دعامة القرآن وهي في الشكل الآتي:

8-15

الهوامش

1 سورة الجمعة الآية:2.
2 مناهج التربية الإسلامية والمربون العاملون فيها ، ص:100.
3 الإتقان في علوم القرآن للسيوطي 2/540.
4 سورة يونس الآية: 101.
5 سورة الذاريات الآية 21.
6 صحيح الإمام البخاري كتاب الإيمان.
7 مناهج التربية الإسلامية والمربون ، ص:132.
8 مناهج التربية الإسلامية والمربون فيها، صص:133 ــــ 140. بتصرف.
9 المرجع السابق ص:142.
10 المرجع السابق ص:144.
11 سورة لقمان، الآيتان: 6 ــــ 7

 

 

Show Buttons
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Contact us
Hide Buttons