تقديم

د. محمد منصف العسري

رئيس التحرير

لقد أنزل الله تعالى القرآن الكريم على رسوله صلى الله عليه وسلم ليهدي به الناس الصراط المستقيم، وكان عليه الصلاة والسلام خير مثال لما جاء به ويدعو الناس إليه، فتأسى به صحابته، وتلاهم في ذلك التابعون؛ مقبلين على القرآن تعلما وتعليما وعملا، مستفيدين من كنوزه ومستحضرين غاياته؛ مستلهمين ذلك من مقاصد سوره ومعاني ودلالات آياته، ومسترشدين بما لها من علاقات بالوقائع والأحداث التي ارتبط نزوله بها.

ومع كون القرآن نزل منجما على مدى ثلاث وعشرين سنة؛ فإن كتابته لم تراع ترتيب نزوله، وذلك بأمر توقيفي من النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يعين مواضع كتابة الآيات؛ فتألف من كتابته بهذا النمط سور مؤتلفة ومتسقة في مبانيها ومعانيها؛ مما حفز بعض العلماء المتقدمين على دراسة إعجاز نظم آيات هذا الكتاب المجيد، ثم اهتم بعضهم عند تفسير القرآن باستحضار وحدة النسق والتحام الموضوعات في كل سورة من سوره، واتحاد تلك الموضوعات لخدمة غرض محوري ومقصود رئيسي واحد؛ محاولة منهم لتجاوز الكيفية المعهودة عند المفسرين في التعامل مع كتاب الله.

ومما دفع أولئك العلماء للاعتناء بالكشف عن وجوه التعلق بين الآيات؛ أن من أبرز خصائص القرآن ـ في غير السور القصار ـ عدم إفراده كل سورة من سوره لموضوع واحد، واعتماد تنويع الموضوعات في نفس السورة من خلال المزج بين العقائد والعبادات والمعاملات والآداب والقصص والأمثال والحكم وغيرها، كما يظهر ذلك جليا في أغلب السور مع تفاوت بينها في تنوع المواضيع. وقد تطور النظر في تناسب الآيات إلى أن أفضى للاستبصار بنسق السورة وفق نظرة شمولية تشرف على بنائها العام؛ لأجل إدراك موقع كل موضوع تناولته ضمن نظامها الكلي ومقصودها الرئيسي.

ومن المؤكد أن استثمار وحدة النسق في السورة القرآنية والتحام موضوعاتها له عدة فوائد تربوية وغيرها؛ مما يدعو ـ في المجال التربوي ـ عند تدريس السور القرآنية المقررة في برامج مادة التربية الإسلامية إلى الاهتمام بملاحظة واستحضار وحدة نسق كل سورة، كما يتجلى ذلك في تماسك بنائها واتساق معانيها والتحام موضوعاتها، بما يؤكد ما ترمي إليه من تحقيق مقصدها الرئيسي الذي يمثل إطارها الكلي وقضيتها المركزية؛ لأجل الإفادة من ذلك في استجلاء هداياتها والاستبصار بها عند تناول موضوعاتها المتنوعة، وتيسير ربط العلاقات بين السورة المدروسة وما يرتبط بها من دروس برنامج المستوى الدراسي الموزعة على مداخل المنهاج.

وفي هذا الإطار يأتي البحث التربوي الذي نقدمه في هذا العدد حول موضوع: «دعامة القرآن الكريم تأصيلا وتحليلا ـ سورة لقمان نموذجا»، من إنجاز الطالبين الأستاذين: عبد اللطيف زاهد وزين العابدين الهلالي، بإشراف الأستاذ الدكتور: عبد الإله مطيع، بسلك تأهيل أطر هيأة التدريس، بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بالرباط؛ حيث حاول الباحثان من خلال بحثهما رصد التقاطعات والعلاقات القائمة بين دعامات القرآن ـ ممثلة في سورة لقمان ـ ودروس وحدات التربية الإسلامية، بالسنة الأولى من التعليم الثانوي الإعدادي؛ للوقوف على مدى تغطية السورة لدروس الوحدات، وبيان أهمية الربط بينهما في تدريس المادة؛ وذلك من خلال تحليل مضامين هذه السورة وبيان علاقاتها بدروس الوحدات، وإبراز القضايا التي اشتملت عليها السورة وبعض آثارها وفوائدها التربوية، مع تقديم جملة من المقترحات العامة من خلال النتائج المتوصل إليها في البحث.

وقد اعتمد الباحثان في دراستهما الجادة لهذا الموضوع الهام على مقاربة تتوخى توظيف أسس المنهج العلمي للبحث التربوي، من خلال الاعتناء بمعالجة الإشكالية الديدكتيكية التي يطرحها البحث، مرتكزين على كل من الدراستين: النظرية الوثائقية والتطبيقية الميدانية، ومعتمدين على مجموعة من الأدوات المنهجية؛ حيث خلصا في بحثهما إلى تأكيد قيام علاقات تكاملية بين سورة لقمان ودروس الوحدات، مع اقتراحهما لبعض الإجراءات المفيدة في دعم تحقيق غايات الدرس القرآني.

وإذا كان هذا البحث ذا أهمية كبيرة بالنظر إلى موضوعه المتصل بالدراسة القرآنية وعلاقتها بالاشتغال في الميدان التربوي؛ فإن هذه الأهمية تتأكد في الوقت الراهن بالنسبة لمادة التربية الإسلامية في منظومتنا التربوية؛ باعتبار سورة لقمان التي اشتغل عليها البحث ما زالت مقررة في برنامج السنة الأولى من الثانوي الإعدادي في إطار المنهاج الجديد، مع وجود اختلافات بين المنهاج السابق والمنهاج الحالي؛ تتلخص في أن الأول كان يضع السورة ضمن الدعامات، وكانت تستغرق دراستها السنة الدراسية كاملة، خلافا للثاني الذي يتناول السورة ضمن مدخل التزكية، مع برمجة دراستها في حدود الأسدس الثاني من السنة الدراسية؛ حيث تم تخصيص الأسدس الأول بسورة أخرى، إضافة إلى مجموعة من الاختلافات الأخرى بين محتويات كل من المنهاجين وكيفية تنظيمها؛ مما يتطلب تجديد النظر في العلاقات الموجودة بين سورة لقمان وسائر موضوعات الدروس ومضامينها وفق ما ورد في المداخل الخمسة للمنهاج المجدد.

كما أنه في نفس السياق لا بد من مواصلة البحوث التربوية المرتبطة بدراسة السور القرآنية في جميع المستويات الدراسية؛ بما يفيد في الاستجابة للرؤية المنهجية التي تتوخى تلافي سلبيات الطريقة التجزيئية في تفسير السور والآيات، وتتغيى التناول الشمولي المستدعي لاستحضار مقصود السورة المدروسة؛ بتحليلها انطلاقا من غرضها المحوري واستصحابه أثناء بيان معاني مقاطعها، مع العناية بربط مواضيعها بامتداداتها في سائر مضامين مداخل المنهاج؛ تحقيقا للانسجام المطلوب في دراسة مفردات المادة، وتدريبا للمتعلم على جوانب هامة من قواعد تدبر القرآن الكريم.

والله يهدي السبيل، وهو ولي التوفيق.

Show Buttons
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Contact us
Hide Buttons